فخر الدين الرازي
102
المطالب العالية من العلم الإلهي
فنقول : هذا أيضا فاسد ، لأن ذلك المفهوم المغاير إما أن يكون سلبيا أو ثبوتيا ، والقسمان باطلان ، وإنما قلنا : إنه يمتنع أن يكون سلبيا لوجهين : الأول : إن قولنا : إن الشيء الفلاني مؤثر في كذا ، نقيض لقولنا : إنه ليس بمؤثر في كذا ، لكن قولنا : إنه ليس مؤثرا في كذا مفهوم سلبي ، لأنا لا نعقل من قولنا للشيء المعين : إنه لم يؤثر في كذا ، ولم يفعل فعلا ، ولم يوجد أثرا إلا النفي المحض والعدم الصرف ، وإذا ثبت أن المفهوم من قولنا : إنه لم يؤثر في كذا هو العدم المحض ، وجب أن يكون المفهوم من قولنا : إنه أثر في كذا أمرا ثابتا موجودا . ضرورة أن أحد النقيضين لما كان سلبيا ، وجب كون النقيض الآخر ثبوتيا . الثاني : إنا إذا قلنا المؤثرية مفهوم عدمي ، كان المعنى أنه لا وجود للمؤثرية ، ولا حصول لها ولا معنى لهذا الكلام ، إلا التصريح بنفي المؤثرية والأثر . وأما الوجه الثاني : وهو أن يقال : إن المؤثرية مفهوم ثبوتي [ مغاير لذات المؤثر ، ولذات الأثر . فنقول : هذا الموجود . إما أن يكون موجودا في الأعيان ، وإما أن يقال : إنه ] « 1 » لا وجود له في الأعيان ، وإنما هو من الاعتبارات الذهنية ، التي لا يكون لها وجود في الأعيان . والقسم الثاني باطل . لأن العقل إذا حكم على الشيء بكونه مؤثرا في شيء آخر . فهذا الحكم [ الذهني ] « 2 » إما أن يكون مطابقا للأعيان ، وإما أن لا يكون . فإن كان هذا الحكم الذهني مطابقا لما في الأعيان ، فحينئذ يكون الشيء في الأعيان : أثرا ، ومؤثرا ، وفاعلا ، ومفعولا . وحينئذ يبطل قولهم بأن هذه المفهومات : اعتبارات حاصلة في الأذهان ، ولا وجود لها في الأعيان .
--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) من ( ز ) .